ماذا لوسقطت ايران؟

لم يعد النقاش حول مستقبل النظام الإيراني محصورًا في دوائر التحليل الأكاديمي أو غرف السياسة المغلقة، بل بات سؤالًا مطروحًا في الشارع الإيراني نفسه، وفي حسابات الإقليم والعواصم الكبرى. ومع تصاعد الاحتجاجات وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تدخل إيران مرحلة حساسة، وإن كانت لا تقف بعد على أعتاب سقوط وشيك كما يروّج البعض.
الواقع أن سقوط النظام الإيراني ليس حتميًا، على الأقل في المدى القريب. فبنية السلطة ما زالت متماسكة، الحرس الثوري و الأجهزة ألامنية أثبتت قدرتها على إدارة الشارع بأسلوب محسوب، يجمع بين القمع الانتقائي واحتواء الاحتقان، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا النهج، المدعوم بتماسك مؤسسات دينية وتحالفات إقليمية، يجعل سيناريو استمرار النظام عبر إدارة الأزمة هو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الراهنة، وإن كان ذلك على حساب تآكل شرعيته الداخلية واتساع الفجوة مع المجتمع.
في هذا السياق، يبدو النظام مستعدًا لتكرار ما أتقنه خلال السنوات الماضية: احتواء الغضب بدل معالجته، وتأجيل الانفجار بدل منع أسبابه. احتجاجات متقطعة، استياء مكتوم، واقتصاد مثقل بالعقوبات وسوء الإدارة، تشكّل جميعها ملامح مشهد قابل للتجدد في أي لحظة، لكنه لا يصل إلى حد الانهيار الشامل.
السيناريو الثاني، وهو أقل ترجيحًا من الأول لكنه يظل ممكنًا، يتمثل في دفع الضغط الشعبي النظام إلى تقديم تنازلات سياسية واقتصادية محدودة. تغييرات في بعض المواقع العليا، تعديلات جزئية في السياسات الاجتماعية أو الاقتصادية، ومحاولات لإعادة ضبط العلاقة مع الشارع دون المساس بجوهر السلطة. مثل هذا المسار قد يمنح النظام وقتًا إضافيًا، ويخلق شعورًا نسبيًا لدى الشارع بتحقيق مكاسب، لكنه لا يرقى إلى تغيير بنيوي، ولا يعالج جذور الأزمة العميقة.
أما السيناريو الأخطر، وإن كان الأضعف احتمالًا، فيكمن في تصعيد واسع يقود إلى إضعاف حقيقي للنظام أو انهيار جزئي في قدرته على السيطرة. عصيان مدني ممتد، مواجهات أكثر عنفًا، أو تراجع بعض مؤسسات الدولة عن أداء أدوارها التقليدية، بالتوازي مع ضغوط خارجية أشد، قد تدفع النظام إلى مرحلة إنهاك خطيرة. في هذا المشهد، قد لا تسقط السلطة بالكامل، لكنها تخرج فاقدة القدرة على فرض قراراتها أو ضبط ساحات النفوذ الداخلي والخارجي، في صورة تستدعي مقارنات حذرة مع النموذج السوري، مع فارق أن إيران أكثر تعقيدًا ومؤسساتها أكثر مرونة.
أي إضعاف حقيقي للنظام الإيراني لن يبقى حبيس الجغرافيا الإيرانية. فالنفوذ الذي بنته طهران عبر عقود في العراق ولبنان وسوريا واليمن سيواجه اختبارًا قاسيًا. القوى المرتبطة بها ستجد نفسها أمام سؤال مصيري: هل هي قوى محلية قادرة على الاستمرار ضمن دولها، أم امتدادات لمشروع إقليمي يفقد مركز ثقله؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تفتح الباب أمام استعادة القرار الوطني في بعض الدول، لكنها قد تطلق أيضًا صراعات داخلية مؤجلة.
الخطأ الأكبر في قراءة المشهد الإيراني هو الاعتقاد بأن سقوط النظام، إن حدث، سيكون بوابة تلقائية نحو الاستقرار أو الديمقراطية. التجارب القريبة في المنطقة تؤكد أن الفراغ أخطر من الاستبداد إذا لم يُملأ بمشروع سياسي جامع. كما أن الرهان على القمع وحده، مهما بدا ذكيًا أو محسوبًا، لا يلغي جذور الأزمة الاجتماعية والسياسية، بل يؤجل انفجارها.
إيران اليوم لا تعيش لحظة سقوط، لكنها تعيش لحظة استنزاف طويلة. النظام قد يستمر، وقد يتكيّف، وقد يتغير شكليًا، لكن الأزمة البنيوية باقية. وفي الشرق الأوسط، غالبًا لا يكون السؤال متى يسقط النظام، بل كم مرة ستعود الأزمة للانفجار، وكم سيكون الثمن الذي سيدفعه الداخل والإقليم مع كل تأجيل جديد.



